عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
42
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
ولهذا كان العرش منتهى مقام كل نبي مرسل أو ملك مقرّب ، ولم يصل فوق العرش أحد غير محمد صلى اللّه عليه وسلم وحده كما تواترت الأخبار به . وسرّ هذا الأمر كما ذكرت لك : إنما هو لعلو محتده صلى اللّه عليه وسلم ؛ إذ هو حقيقة النور الذاتي والأنبياء من حقيقة النور الصفاتي ، والذات من وراء الصفات ، فاعلم ذلك وتنبه . ثم إن اللّه خلق بواسطة هذا العقل الثاني المسمّى : ب « العقل الكلي » عقلا ثالثا هو مظهر الأفعال ، وسمّاه بالكرسي ؛ فهو مظهر الأسماء الفعليّة . ومن ثمّ ورد : إن قدمي الحق متدليتان على الكرسي ، وإنما ذلك عبارة عن أمره ونهيه . وهذه النفس الكلية هي محتد سائر النفوس الناطقة ، فظاهرها الكرسي الأعلى ، وباطنها اللوح المحفوظ ، وهو النفس الموجود من هذا العقل فيه لظهوره ، واسمها كما سيأتي ذكره « النفس الكليّة » . ولهذا لم يجد أحد من المخلوقات نسخة العالم كله في نفسه إلا الإنسان ؛ لأن اللوح المحفوظ فيه علم كل ما كان أو هو كائن إلى يوم القيامة ، فالإنسان يجد ذلك جميعه من حيث إن باطن حقيقته هو المسمّاة بالنفس الكلية وهي اللوح المحفوظ ، ويؤمر بالعمل الصالح وينهي عن العمل الفاسد ؛ لأن حقيقته المسمّاة بالنفس الكليّة هي مظهر الأمر والنهي المعبّر عن مجلاه ب « الكرسي » وهو : العقل الثالث ؛ ولهذا لا ينعم النعيم الدائم ولا يعذّب العذاب المقيم سواه . وسرّ ذلك أن الأسماء الفعلية لا ينقطع ظهور أثرها أبدا ، فلهذا اختصّت آثارها بالبشر دون كل مخلوق ، وما ثم من يشاركه في بعض وصفه إلا الملك والشياطين . فالملك نور محض يشاركونه في نعيم القرب دون نقمة البعد . والشياطين ظلمة محضة يشاركونه في نقمة البعد دون نعيم القرب ؛ لأن مرتبة الجمع المسمّاة بالكرسي الذي هو محل تدلّي القدمين ؛ إنما هو محتد الإنسان وحده ، فافهم . ثم إن اللّه تعالى خلق بواسطة هذا العقل الثالث عقلا رابعا هو : روح السماء السابعة . وخلق بواسطة الرابع عقلا خامسا هو : روح السماء السادسة . وخلق بواسطة هذا العقل عقلا سادسا هو : روح السماء الخامسة .